‏إظهار الرسائل ذات التسميات الفاروق عمر بن الخطاب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الفاروق عمر بن الخطاب. إظهار كافة الرسائل

لئن سلمت لأعملن لك رحى يتحدث بها مَنْ بالمشرق والمغرب (وفات عمر بن الخطاب)


-        خرج عمر بن الخطاب يوماً يطوف في السوق, فلقيه أبو لؤلؤة غُلام المُغيرة بن شعبة, وكان نصرانيًّا- فقال: يا أمير المؤمنين أعدني على المغيرة ابن شعبة فإن عليَّ خراجاً كثيراً.
[أعدني: أعداه أي أعانه]
قال: وكم خراجك؟ قال: درهمان في كل يوم, قال: ما صناعتك؟ قال: نجار, نقاش, حداد, قال: فما أرى خراجك بكثير على ما تصنع من الأعمال, قد بلغني أنك تقول: لو أردت أن أعمل رحى تطحن بالريح فعلت, قال: نعم.
قال: فاعمل لي رحى, قال: لئن سلمت لأعملن لك رحى يتحدث بها مَنْ بالمشرق والمغرب ثم انصرف عنه.
فقال عمر: لقد توعدني العبدُ آنفاً, ثم انصرف عمر إلى منزله, فلما كان من الغد جاءه كعب الأحبار.
فقال له: يا أمير المؤمنين, اعهد, فإنك ميت في ثلاثة أيام, قال: وما يدريك؟ قال: أجده في كتاب الله- عز وجل- التوراة.
قال عمر: الله إنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة.
قال: اللهم لا, ولكني أجد صفتك وحليتك, وأنه قد فني أجلك وعمر لا يحس وجعاً ولا ألماً.
فلما كان من الغد جاء كعب فقال: يا أمير المؤمنين, ذهب يوم, وبقي يومان, ثم جاءه من غد, فقال: ذهب يومان, وبقي يوم وليلة وهي لك إلى صبيحتها.
فلما كان الصبح خرج عمر إلى الصلاة: وكان يوكل بالصفوف رجالاً, فإذا استوت جاء هو فكبر, ودخل أبو لؤلؤة في الناس, في يده خنجر له رأسان, نصابه في وسطه, فضرب عمر ست ضربات إحداهن تحت سرته, وهي التي قتلته.
فلما وجد عمر حر السلاح سقط وقال: أفي الناس عبد الرحمن بن عوف؟ قالوا: نعم يا أمير المؤمنين هو ذا, قال: تقدم فصلِّ بالناس, فصلَّى عبد الرحمن بن عوف, وعمر طريح, ثم احتمل فأدخل داره.
وأوصي الخليفة من بعدي بالعرب, فإنهم مادة الإسلام, أن يؤخذ من صدقاتهم حقها فتوضع في فقرائهم, أوصي الخليفة من بعدي بذمة محمد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يوفي لهم بعدهم, اللهم هل بلغت.
تركت الخليفة من بعدي على أنقى من الراحة, يا عبد الله بن عمر, اخرج فانظر مَنْ قتلني؟
فقال: يا أمير المؤمنين قتلك أبو لؤلؤة غُلام المغيرة بن شُعبة.
قال: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل سجد لله سجدة واحدة.
يا عبد الله بن عمر اذهب إلى عائشة فسلها أن تأذن لي أن أُدفن مع رسول الله وأبي بكر, يا عبد الله بن عمر إن اختلف القوم فكن مع الأكثر, وإن كانوا ثلاثة وثلاثة فاتبع الحزب الذي فيه عبد الرحمن يا عبد الله ائذن للناس.
فجعل يدخل عليه المهاجرون والأنصار فيسلمون عليه ويقول: أعن ملأ منكم كان هذا؟
[أعن ملأ: أي مشاورة في أشرافكم وجماعتكم]
فيقولون: معاذ الله. ودخل في الناس كعب فلما نظر إليه عمر قال:
فأوعــدني كــعب ثلاثاً أعــدها          ولا شك أن القول ما قال لي كعب
وما بي حذار الموت إني لميت          ولكن حــذار الذنب يتـبــعه الذنب

ثم فاضت روحه, رحمه الله. فإلى القصر ينتظرك يا مَنْ أتعبت الخلفاء بعدك.

ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين.


-        عن عبد الله بن عمر قال: اشتريت إبلاً ورجعتها إلى الحِمى, فلما سمنت
 قال: فدخل عمر- رضوان الله عليه- السوق فرأى إبلاً سماناً.
فقال: لِمن هذه الإبل السمينة؟ فقيل: لعبد الله بن عمر, فجعل يقول: يا عبد الله بن عمر بخٍ بخٍ ابن أمير المؤمنين.
قال: فجعلت أسعى,
فقلت: ما لك يا أمير المؤمنين؟
قال: ما هذه الإبل؟
قلت: إبل اشتريتها وبعثت بها إلى الحمى أبتغي ما يبتغي المسلمون.
قال: يقال: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين.
يا عبد الله بن عمر اغد على رأس مالك, واجعل باقيه في بيت مال المسلمين.

تواضعه


-        يقول أنس- رضي الله عنه- : سمعت عمر بن الخطاب- رضوان الله عليه- يوماً, وخرجت معه حتى دخل حائطاً فسمعته وهو يقول: وبيني وبينه جدار وهو في جوف الحائط: ( عمر أمير المؤمنين بخٍ بخٍ والله يا ابن الخطاب لتتقين الله أو ليُعَذِّبنك).
[الحائط: البستان]
ولمَّا قدم عمر بلاد الشام ليفتح فلسطين- أعادها الله- عرضت عليه مخاضة فنزل عن بعيره, وقلع موقيه, فأمسكها بيده, فخاض عمر الماء ومعه بعيره.
[موقيه: خفاه]
قال له أبو عبيدة- رضي الله عنه- : قد صنعت صنيعاً عند أهل الأرض صنعت كذا وكذا.
قال: فصك في صدره
[صكَّ في صدره: دفعه بلطف].
وقال: (أوه, لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة, إنكم كنتم أذلَّ الناس, وأحقر النااس, وأقل الناس, فأعزَّكم الله بالإسلام فمهما تطلبوا العِزة بغير الله يُذلكم الله).

أعثرات عمر تتبع؟!


- عن الأوزاعي أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- خرج في سواد الليل فرآه طلحة, فذهب عمر فدخل بيتاً ثم دخل بيتاً آخر, فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت, فإذا بعجوز عمياء مُقعدة, فقال لها: ما بال هذا الرجل يأتيك؟ قالت: إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا, يأتيني بما يصلحني ويُخرج عني الأذى. فقال طلحة: ثكلتك أمك يا طلحة, أَعَثَرات عمر تَتَّبع.

إنه ليس من كدِّك ولا من كدِّ أمك, أشبع المسلمين ممَّا تشبع منه في رحالك


-        لما قدم عتبة بن فرقد أذربيجان أُوتي الخبيص فلما أكله وجد شيئاً حلواً طيباً.
فقال: والله لو صنعت لأمير المؤمنين من هذا, فجعل له صقطين عظيمين ثم حملهما على بعير مع رجلين فسرح بهما إلى عمر- رضوان الله عليه- فلما قدما عليه فتحهما.
قال: أي شيء هذا؟
قالوا: خبيص فذاقه, فإذا شيء حلو.
فقال للرسول: أكل المسلمين تشبع من هذا في رحالهم؟
قال: لا.
فقال: أما لا, فارددها.
ثم كتب: (أما بعد فإنه ليس من كدِّك ولا من كدِّ أمك, أشبع المسلمين ممَّا تشبع منه في رحالك).

زهد عمر


-        قال عتبة بن فرقد: قدمت على عمر- رضوان الله عليه- بسلال خبيص عظام ما ألوان أحسن وأجيد.
فقال: ما هذه؟
قلت: طعام أتيتك به.
فقال: تقضي حاجات الناس أول النهار, فأحببت إن رجعت أن ترجع إلى طعام فتصيب منه فيقويك.
قال: فكشف عن سلة منها.
فقال: عزمت عليك يا عتبة إذا رجعت إلا رزقت كل رجل من المسلمين مثله.
فقال: والذي يُصلِحك يا أمير المؤمنين لو أنفقت مال قيس كلها ما وسع ذلك.
قال: ولا حاجة لي فيه, ثم دعا بقصعة من خبز جريش ولحم غليظ, وهو يأكل معي أكلاً شهيًّا فجعلت أهوي إلى القصعة البيضاء أحسبها سناماً, فإذا هي عصبة, والبضعة من اللحم أمضغها فلا أسيغها, فإذا غفل عني جعلتها بين الخوان والقصعة ثم دعا بعس من نبيذ قد كاد يكون خلاً.
[عس: العس القدح العظيم].
فقال: اشرب, فأخذته, وما أكاد أسِيغه ثم أخذه فشرب.
ثم قال: اسمع يا عتبة إنا ننحر كل يوم جزوراً فأما ودكها وأطيبها فلمن حضرنا من آفاق المسلمين, وأمَّا عنقها فلآل عمر يأكل هذا اللحم الغليظ ويشرب هذا النبيذ قطعه من بطوننا أن يؤدي بنا.

رحمت عمر بن الخطاب


-        قال أسلم: خرجنا مع عمر- رضي الله عنه- إلى حرة, حتى إذا كنا في صرار إذا نار تؤرث, فقال: يا أسلم إني أرى هاهنا ركباناً قصر بهم الليل والبرد, انطلق بنا فخرجنا نهرول حتى دنونا منهم فإذا بامرأة معها صبيان, وقدر منصوبة على نار, وصبيانها يتضاغون.
[ أسلم: غلام لعمر, صرار: مكان على مقربة من المدينة, تؤرث: توقد, يتضاغون: يتصايحون]
فقال عمر: السلام عليكم يا أهل الضوء- وكره أن يقول يا أصحاب النار-, فأجابته امرأة: وعليكم السلام.
فقال: أأدنو؟
[أأدنو: أأقترب]
فقالت: ادن بخير أو دَع.
[دع: اترك]
فدنا منها ثم قال: ما بالكم؟
قالت: قصر بنا الليل والبرد.
قال: وما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟
قالت: الجوع
قال: وأي شيء في هذا القدر؟
قالت: ماء أسكتهم به حتى يناموا. والله بيننا وبين عمر.
فقال: يرحمك الله, وما يدري عمر بكم؟ فقالت: يتولى أمرنا ثم يغفل عنا.
فأقبل عليّ فقال: انطلق بنا فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق فأخرج عِدْلاً من دقيق, وكبة من شحم, وقال: احمله عليّ, قلت: أنا أحمله عنك.
[عدلاً: الجوالق وبالعامية شوال, كبة: مقدار منه]
قال: أنت تحمل وزري يوم القيامة؟ لا أمَّ لك, فحملته عليه فانطلق وانطلقت معه إليها نهرول, فألقى ذلك عندها وأخرج من الدقيق شيئاً. فجعل يقول لها: ذري على أُحِر لك.
[ على أُحر لك: أي اتخذي لك حريرة وهي الحساء من الدقيق والدسم]
وجعل ينفخ تحت القدر, وكانت لحيته عظيمة, فرأيت الدخان يخرج من خلالها, حتى طبخ لهم. ثم أنزلها, وأفرغ الحريرة في صحفة وهو يقول لها: أطعميهم, وأنا أسطح لهم- أي أبرده- ولم يزل حتى شبعوا, وهي تقول له: جزاك الله خيراً, كنت بهذا الأمر أولى من أمير المؤمنين.

متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً


-        لم يكن العدل قاصراً على المسلمين بل مع المسلمين والنصارى واليهود, لا فرق بين مسلم ومسيحي ويهودي ومُشرك, الكلُّ في ميزان العدل سواء.
روي أن ابناً لسيدنا عمرو بن العاص- رضي الله عنه وأرضاه- سابق رجلاً قبطيًّا من بلاد مصر فسبق القبطي ابن رئيس الدولة عمرو بن العاص- رضي الله عنه- فرفع ابن عمرو يده, وضرب القبطي وقال: أتسبقني وأنا ابن الأكرمين؟! فذهب القبطي إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضوان الله عليه-, وشكا له ما حدث, وما كان من الفاروق إلا أن أرسل رسالة عاجلة إلى والي مصر أن يحضر حالاً- ومعه ولده-. وصل عمرو- رضي الله عنه-, وولده, وبدأ مجلس الحكم.
قال الفاروق للقبطي: خُذ هذه العصا, واضرب ابن الأكرمين.
فرفع القبطي العصا وضرب ابن والي مصر.
فقال الفاروق عمر: أدِرها على صلعة عمرو.
فقال القبطي: إنما ضربت مَنْ ضربني.
قال الفاروق: أدِرها على صلعة عمرو, فإنما ضربك بسلطان أبيه.
ثم اتجه الفاروق إلى عمرو- رضي الله عنه- وقال له كلمة وعاها التاريخ بقلمه المبارك: يا عمرو, متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟

قصة تُكتب بماء الذهب


-        بعث عمر سلمة بن قيس الأشجعي إلى طائفة من الأكراد, كانوا على الشرك, فخرج إليهم في جيش أرسله معه من المدينة.
    فلما انتهى إليهم دعاهم إلى الإسلام, أو إلى أداء الجزية فأبوا فقاتلهم فنصره الله عليهم فقتل المقاتلة. وسبي الذرية, ووجد حلية وفصوصاً وجواهر.
فقال لأصحابه: أتطيب أنفسكم أن نبعث بهذا إلى أمير المؤمنين فإنه غير صالح لكم, وإن على أمير المؤمنين لمؤونة وأثقالاً؟
قالوا: نعم قد طابت أنفسنا. فجعل الجواهر في سفط وبعث به مع واحد من أصحابه.
[السفط: كالجوالق أو كالقفة جمعه أسفاط]
وقال له: سر فإذا أتيت البصرة فاشتر راحلتين فأوقرهما زاداً لك ولغلامك: وسر إلى أمير المؤمنين.
[أوقر الدابة:حملها]
قال: ففعلت فأتيت عمر وهو يغدي الناس قائماً مُتكئاً على عصا, كما يصنع الراعي وهو يدور على القصاع.
فيقول: يا يرفأ, زد هؤلاء لحماً, زد هؤلاء خُبزاً, زد هؤلاء مرقة.
[يرفأ: مولى عمر بن الخطاب]
فجلست في أدنى الناس فإذا طعام فيه خشونة, طعامي الذي معي أطيب منه.
فلما فرغ أدبر فاتبعته, فدخل داراً فاستأذنت, ولم اُعلِم حاجبه من أنا, فأذن لي, فوجدته في صفة جالساً على مسح, مُتكئاً على وسادتين من أدم محشوتين ليفاً, وعليه ستر من صوف, فنبذ إليَّ إحدى الوسادتين فجلست عليها.
[الصفة من البنيان: شبه الهواء الواسع, المسح: ثوب من الشعر غليظ, أدم: جمع للأديم وهو الجلد]
فقال: يا أم كلثوم, ألأ تغدُّوننا؟ فأخرجت إليه خبزه بزيت في عرضها ملح لم يرق.
[الخبزة: عجين يوضع في الملة حتى ينضج والملة الرماد والتراب الذي أوقد فيه النار]
فقال: يا أم كلثوم, ألا تخرجين إلينا تأكلين معنا؟
فقالت: إني أسمع عندك حسَّ رجل قال: نعم, ولا أراه من أهل هذا البلد.
[الحس: الصوت الخفيف]
فقالت: لو أردت أن أخرج إلى الرجال لكسوتني كما كسا الزبير امرأته وكما كسا طلحة امرأته.
قال: أو ما يكفيك أنك أم كلثوم ابنة علي ابن أبي طالب وزوجة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب؟
قالت: إن ذاك عندي لقليل الغناء.
ثم قال: كُل, فلو كانت راضية لأطعمتك أطيب من هذا. فأكلت قليلاً, وطعامي الذي معي أطيب منه. وأكل, فما رأيت أحداً أحسن أكلاً منه, ما يتلبث طعامه بيده ولا فمه.
ثم قال: اسقونا, فجاءوا بعس, من سُلت.
[العساس: الأقداح العظام, السلت: الشعير]
فقال: أعط الرجل, فشربت قليلاً, وإن سويقي الذي معي لأطيب منه, ثم أخذه فشربه حتى قرع القدح جبهته. ثم قال: الحمدلله الذي أطعمنا فأشبعنا وسقانا فأروانا, إنك يا هذا لضعيف الأكل ضعيف الشرب.
فقلت: يا أمير المؤمنين, إن لي حاجة.
قال: ما حاجتك؟
قلت: أنا رسول سلمة بن قيس.
قال: مرحباً بسلمة ورسوله, فكأنما خرجت من صلبه- حدثني عن المهاجرين كيف هم؟
قلت: كما تحب- يا أمير المؤمنين- من السلامة والظفر والنصر على عدوهم.
قال: كيف أسعارهم؟
قلت: أرخص أسعار.
قال: كيف اللحم فيهم فإنه شجرة العرب ولا تصلح العرب إلا على شجرتها؟. قلت: البقرة فيهم بكذا, والشاة فيهم بكذا.
ثم قلت: سرنا يا أمير المؤمنين حتى لقينا عدونا من المشركين فدعوناهم إلى الذي أمرت به من الإسلام فأبوا فدعوناهم إلى الخراج فأبوا, فقاتلناهم فنصرنا اللهُ عليهم, فقتلنا المقاتلة, وسبينا الذرية, وجمعنا الثروة فرأى سلمة في الأموال حلية.
فقال للناس:أتطيب أنفسكم أن أبعث بها إلى أمير المؤمنين؟
قالوا: نعم. ثم استخرجت سفطي ففتحته.
فلما نظر إلى تلك الفصوص من بين أحمر وأخضر وأصفر وثب وجعل يده في خاصرته يصيح صياحاً عالياً, ويقول: لا أشبع الله إذن بطن عمر يكررها.
فظن النساء أني جئت لأغتاله فجئن إلى الستر, فكشفنه فسمعنه يقول: لف ما جئت به, يا يرفأ, وجأ عنقه.
[وجأ عنقه: ضربه]
ثم قال: النجاء النجاء.
قلت: يا أمير المؤمنين, فاحملني.
فقال: يا يرفأ, أعطه راحلتين من إبل الصدقة, فإذا لقيت أحداً أفقر إليهما منك فأدفعها إليه.
وقال: أظنك ستُبطئ, أما والله لئن تفرق المسلمون في شايتهم قبل أن يقسم هذا فيهم لأفعلن بك وبصاحبك الفاقرة.
[الفاقرة: الداهية]
قال: فارتحلت حتى أتيت إلى سلمة بن قيس.
فقلت: ما بارك الله فيما اختصصتني به. أقسِم هذا في الناس قبل أن تصيبني وإياك فاقرة, فقسمه فيهم, فكان الفص يُباع بخمسة دراهم وبستة, وهو خير من عشرين ألف.

عدل عمر


- عن اياس بن سلمة عن أبيه قال: ( مرَّ عمر بن الخطاب- رضوان الله عليه- وأنا في السوق وهو مارٌّ في حاجة له معه الدِّرة. قال: هكذا أمِط عن الطريق يا سلمة , ثم خفقني بها خفقة فما أصاب إلا طرف ثوبي, فأمطت عن الطريق فسكت عني حتى كان العام المُقبل فلقيني في السوق فقال: يا سلمة أردت الحج العام؟
قلت: نعم يا أمير المؤمنين, فأخذ بيدي فما فارقت يدي يدهُ حتى دخل بي بيته فأخرج كيساً فيه ستمائة درهم.
فقال: يا سلمة, استعن بهذه, واعلم أنها من الخفقة التي خفقتك عام أوَّل.
قلت: والله يا أمير المؤمنين ما ذكرتها حتى ذكَّرتنيها.
قال: وأنا والله ما نسيتها بعد).
[الدِّرة: عصا من خشب كان عمر يُؤدِّب بها, خفقني خفقة: ضربني ضربة]