‏إظهار الرسائل ذات التسميات أبو بكر الصديق. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أبو بكر الصديق. إظهار كافة الرسائل

والله لا أَحِلُّ عُقدة عقدها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم


-        كانت أول مشكلة عُرضت في وجه الصديق- بعد خلافته- تنفيذ بعث أسامة- رضي الله عنه-.
فقد بعث النبي صلّى الله عليه وسلّم أسامة إلى غزو الروم, وكان تجهيز جيش أسامة قبل وفاته صلّى الله عليه وسلّم بيومين, فلما ازداد به المرض قام, وأمر بتجهيز الجيش ولحق النبي صلّى الله عليه وسلّم بربه, فعَظَم الخطب, واشتد البلاء, وظهر النفاق, وارتدت أحياء من العرب حول المدينة, وامتنع آخرون عن دفع الزكاة.
 وعندما وقعت هذه المصائب أشار كثير من الناس على أبي بكر- رضي الله عنه- بعدم إرسال جيش أسامة, وكان ممَّن أشار بهذا عمر- رضي الله عنه-, فرفض الصديق وأبى أشد الإباء.
وقال كلمته القاطعة: (والله لا أَحِلُّ عُقدة عقدها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم, ولو أنَّ الطير تخطفنا والسباع من حول المدينة, ولو أنَّ الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين, لأجهزنَّ جيش أسامة).
ثم إن البعض أشار عليه أن يُرسل أميراً للجيش أسن من أسامة. فغضب إذ كيف يُغيِّر شيئاً أمضاه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
[ أسن: أكبر سنًّا]
وخرج الصديق يُشيّع الجيش, ويُودِّع أسامة ويوصيه, وأبو بكر- رضي الله عنه- يسير على قدميه, وأسامة راكباً.
فقال له أسامة: يا خليفة رسول الله , إمَّا أن تركب, وإمَّا أن أنزل.
فقال أبو بكر: والله لستُ براكب, ولستَ بنازل, وما عليَّ أن أغبِّر قدمي ساعة في سبيل الله.
واستأذن الصديق- رضي الله عنه- من أسامة لعمر بن الخطاب- رضي الله عنه- فأذن له.
وكان خروج أسامة إلى الروم بأرض الشام, في ذلك الوقت من أكبر المصالح, فساروا لا يمرون بحي من أحياء العرب إلا هابوهم وخافوهم وقالوا: ما خرج هؤلاء القوم إلا وبهم منعة شديدة, وسنتركهم حتى يلقوا الروم.
فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم, وبقوا أربعين يوماً- وقيل: سبعين يوماً-, ثم أتوا سالمين غانمين.

من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات, ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت


-        في يوم وفاة النبي صلّى الله عليه وسلّم, ابْتُلي المؤمنون وزُلْزِلُوا زِلزالاً شديداً, وعندئذ أقبل أبو بكر على فرس من مسكنه بالسُّنح, حتى نزل فدخل المسجد,  فلم يكلِّم النَّاس حتى دخل على عائشة, فبصر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم, وهو مُسجَّى ببُردة فكشف عن وجهه. وأكبَّ عليه, فقبَّله ثم بكى.
فقال: بأبي أنت وأمي, لا يجمع الله عليك موتتين.
أمَّا الموتة التي كتبها الله عليك فقد مِتَّها.
وخرج وعمر يُكلِّم الناس.
فقال: اجلس, فأبى.
فتشهَّد أبو بكر فمال الناس إليه وتركوا عمر فقال: أما بعد....
فمن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات, ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت قال الله تعالى: { وَمَا مُحَمَّدٌ أِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ } [آل عمران:144]
قالت: فوالله لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر, فتلقَّاها منه النَّاس, فما نسمع بشراً إلا يتلوها.

لِمَ سمِّي أبو بكر عتيقاً؟


-        عن الشعيبي قال: سأل علي بن عبد الله بن عباس أباه لِمَ سمِّي أبو بكر عتيقاً؟.
قال: ليس كما يقولون, ولكن كان يولد لأبيه أولاد فيموتون صغاراً. فلمَّا وُلِد أبو بكر حملته أمه, فأدخلته الكعبة, ونثرت للكعبة أربعين ديناراً.
وقالت: يا إله الآلهة, أعتق ولدي فخرج من ركن من أركان البيت رأس مثل رأس الهرَّة. فقال لها: يا أمة الرحمن بالتحقيق.
فُزت بحمل الولد العتيق.
يُعرف في البرية بالصِّديق.
يكون وزير خير خلق الله.
لن يفترقا لا صغيرين ولا كبيرين ولا حيين ولا ميِّتين.....

السباق


-        كان يلقَّب بالسبَّاق لأنه كان أسبق أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى الخيرات.
عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال: ( أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن نتصدق, فوافق ذلك مالاً عندي).
فقلت اليوم أسبق, إن سبقته يوماً, فجئت بنصف مالي, فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ( ما أبقيت لأهلك). قلت: مثله.
قال: وأتى أبو بكر- رضي الله عنه- بِكُلِّ ما عنده, فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ( ما أبقيت لأهلك؟).  قال: أبقيت لهم الله ورسوله.
قلت: والله لا أسبقه إلى شيء أبداً)
ولا شك أن الصِّديق أولى الأمة وأحقها بقوله- عز وجل-: {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى(18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى(19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى(20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى} [الليل:17-20].

في إحدى حلقات النبي صلّى الله عليه وسلّم سأل النبي- عليه الصلاة والسلام- سؤالاً.
فقال: ( مَنْ أصبح منكم اليوم صائماً؟).
وسكت الجميع فقال أبو بكر: أنا.
فسأل النبي صلّى الله عليه وسلّم سؤالاً ثانياً.
(فمن تبع منكم اليوم جنازة؟).
وسكت الجميع, فقال أبو بكر: أنا.
وسأل النبي صلّى الله عليه وسلّم سؤالاً ثالثاً.
( فمن أطعم اليوم منكم مسكيناً؟).
ولم يجب أحد من الأصحاب.
فقال أبو بكر: أنا.
وسأل النبي صلّى الله عليه وسلّم سؤالاً رابعاً.
( فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟).
وصمت القوم, فأجاب السبَّاق أبو بكر: أنا.
فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ( ما اجتمعن في امرئٍ إلا دخل الجنة).

الرقيق


-        مر أبو بكر الصديق- رضي الله عنه- في خلافته بطريق من طُرق المدينة, فإذا جارية تطحن برحاها وتقول:
وهويتــهُ من قبل قطع تمائمي      متــماسياً مثل القضيب الناعم
وكأن نور البدر سنة وجهـــه      ينمى ويصعد في ذؤابة هاشم
فدقَّ عليها الباب فخرجت إليه فقال: ويلك أحرة أنت أم مملوكة؟!
قالت: بل مملوكة يا خليفة رسول الله, فقال: فمن هويت؟!
فبكت ثمَّ قالت: بحق الله عليك إلا انصرفت عني.
قال: لا أريم أو تعلِميني.
فقالت:
وأنا التي لَعِب الغرام بقلبها     فبكت لحب محمد بن القاسم
فصار أبو بكر إلى المسجد وبعث إلى مولاها فاشتراها منه وبعث إلى محمد ابن القاسم بن جعفر بن أبي طالب وقال: هؤلاء فتنَّ الرجال, وكم مات بهن من كريم, وعَطَبَ عليهن من سليم.
[عطَب: أي هلك]

ما ظنُّك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما


-        عندما خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم, جعل يمشي ساعة بين يديه, وساعة خلفه, حتى فطن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( يا أبا بكر, مالك تمشي ساعة خلفي, وساعة بين يدي؟).
فقال: يا رسول الله, أذكر الطَّلب, فأمشي خلفك, ثم أذكر الرَصد, فأمشي بين يديك.
[ الطَّلب: من يطلبنا والمراد المشركون].
فقال: ( يا أبا بكر, لو كان شيء لأحببت أن يكون بك دوني؟).
قال: نعم, والذي بعثك بالحق, فلما انتهينا إلى الغار قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار, فدخل, فاستبرأه, حتى إذا كان ذكر أنه لم يستبرئ الجُحْرة.
[الجُحرة: مفردها جُحر وهي المكان الذي تحفره السباع والهوام لأنفسها ]
فقال: مكانك يا رسول الله, حتى أَستبرأ, فدخل, فاستبرأ, ثم قال: انزل يا رسول الله, فنزل...
وعندما دخل الصديق الغار مع سيد الأخيار. اشتدَّ به الخوف على النبي- عليه الصلاة والسلام- عندما رأى أقدام المشركين فقال- رضي الله عنه وأرضاه-: يا رسول الله, لو أنَّ أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا. فقال: ( ما ظنُّك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما). ولم يكن جهاد البطل الباسل في هذه الليلة قاصراً على الجهاد بالنفس, وإنما أخذ جميع أمواله وأنفقها على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
تقول أسماء- رضي الله عنها-: لمَّا خرج رسول الله. وخرج أبو بكر معه, احتمل أبو بكر معه ماله كله, خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف درهم, فانطلق بها معه.
قالت: فدخل علينا جدي أبو قُحافة, وقد ذهب بصره.
فقال: والله إني لأراه فجعكم بماله مع نفسه.
قالت: قلت: كلا يا أبت, قد ترك لنا خيراً كثيراً.
قالت: فأخذت أحجاراً فجعلتها في كُوَّة في البيت- كان أبي يجعل فيها ماله -, ثم أخذتُ يده فقلتُ: ضع يا أبتِ يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه.
فقال: لا بأس, إن ترك لكم هذا فقد أحسن, وفي هذا لكم بلاغ.
قالت: ولا واللهِ ما ترك لنا شيئاً, ولكن أردتُ أن أسكن الشيخ بذلك.
[الكُوَّة: ثقب في الحائط]

- قال عمر: والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر, وليوم من أبي بكر خير من آل عمر


أمَّا الليلة, فليلة الهجرة. فقد تجهَّز أبو بكر قِبل المدينة, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( على رِسلك, فإني أرجو أن يؤذن لي).
[ على رسلك: تمهَّل]
فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟
قال: ( نعم), فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه, وعلف راحلتين كانتا عند ورق السَّمُر- وهو الخبط- أربعة أشهر.
قالت عائشة: فبينما نحن يوماً جُلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل: لأبي بكر: هذا رسول الله, مُتقنعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها.
[نحر الظهيرة: شدة حر الظهيرة]
فقال أبو بكر: فداءً له أبي وأمي, والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر.
قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن, فأُذِن له فدخل.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: ( أَخْرِج مَنْ عندك).
فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فإني قد أُذِن لي في الخروج).
قال أبو بكر: الصُّحبة بأبي أنت يا رسول الله.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( نعم ).
قال أبو بكر: فَخُذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( بالثمن ).
قالت عائشة: فجهزناهما أحثَّ الجهاز, وصنعنا لهما سُفرة في جراب, فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب, فبذلك سميت ذات النطاق.
[ أحثَّ: أسرع, النطاق: قطعة قماش تلبسها المرأة وتشد وسطها ثم ترسل الأعلى على الأسفل إلى الركبة]
قالت: ثمَّ لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور, فَكَمِنَا فيه ثلاث ليالٍ يبيت عندهما عبدالله بن أبي بكر, وهو غلام شاب ثَقِفْ لَقِنْ فيُدلج من عندهما بسَحَر فيصبح عند قريش كبائت, فلا يسمع أمراً يُكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام, ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى لأبي بكر منحة من غنم فيريحهما عليهما حتى يذهب ساعة من العشاء....
    [كمنا: مكثا, ثقِف: حاذق, لَقِن: سريع الفهم, يدلج: يرجع, السَّحر: السُّدس الأخير من الليل, يكادان به: أي الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر, يختلط: يدخل, منحة: عطية]
ويقُص لنا أبو بكر ما وقع في الطريق فيقول: ارتحلنا من مكة فأحيينا- أو سرينا- ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا, وقام قائم الظهيرة, فرميت ببصري هل أرى من ظل فآوي إليه, فإذا صخرة أتيتها, فنظرت بقية ظِل لها فسوَّيته, ثم فرشت للنبي صلى الله عليه وسلم فيه, ثم قلت له: اضطجع يا نبي الله, فاضطجع النبي صلى الله عليه وسلم ثم انطلقت أنظر ما حولي, هل أرى من الطَّلب أحداً؟
[ الطَّلب: من يطلبنا والمراد المشركون]
فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة, يريد منها الذي أردنا, فسألته, فقلت له: لِمن أنت يا غلام؟
فقال:لرجل من قريش سمَّاه فعرفته.
فقلت: هل في غنمك مِن لَبن؟
قال: نعم.
قلت: فهل أنت حالب لنا؟
قال: نعم, فأمرته, فاعتقل شاة من غنمه, ثم أمرته أن ينفض ضرعها من الغُبار ثم أمرته أن ينفض كفيه فقال: هكذا, فضرب إحدى كفيه بالأخرى, فحّلّب لي كثبة من لبن, وقد جعلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إداوة على فمها خرقة, فصببت عليَّ اللبن حتى بَرَد أسفله, فانطلقت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوافقته قد استيقظ.
[كثبة: جزء قليل من اللبن]
فقلت: اشرب يا رسول الله, فشرب حتى رضيت.
ثم قلت: قد آن الرحيل يا رسول الله.
فقال: (بلى) . فارتحلنا, والقوم يطلبوننا, فلم يُدركنا أحد منهم غير سُراقة ابن مالك بن جُعْشم على فرس له.
فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله.
فقال: ( لا تخف إنَّ الله معنا).

إسلام أبو بكر الصديق


- سمع الصِّديق أخبار الدعوة الجديدة من حامل لوائها- عليه الصلاة والسلام- ففتح لها سمعه, وقلبه, وعقله.
فأسلم, وكفر بالأصنام, وخلع الأنداد, وأقرَّ بحق الإسلام, ورجع وهو مُؤمن مُصدِّق, ومضى أبو بكر فراح لعثمان وطلحة والزُّبير وسعد فأسلموا, ثمَّ جاء اليوم الثاني عثمان بن مظعون, وأبي عُبيدة بن الجراح, وعبد الرحمن بن عوف, وأبي سلمة بن عبد الأسد, والأرقم بن الأرقم, فأسلموا.
طار خبر إسلام الصِّديق- رضي الله عنه- إلى كُفار قريش, فاستشاطوا غضباً, وتميَّزوا غيظاً, وأقسموا ليؤذنَّه أشد الإيذاء, وليقابلنه بالتوبيخ والاستهزاء, وهو السيد المُطاع صاحب الأخلاق.
واشتد الأذى على الصِّديق- رضي الله عنه- فاضطر أن يَخرج مُهاجراً نحو أرض الحبشة, حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدِّغِنة, - وهو سيد القادة- فقال: أين تريد يا أبا بكر؟
[برك الغماد: موضع باليمن أو موضع وراء مكة بخمس ليالٍ]
فقال أبو بكر: أخرجني قومك, فأريدُ أن أسيح في الأرض فأعبد ربي.
فقال ابن الدِّغنة: إنَّ مثلك يا أبا بكر لا يَخرج ولا يُخرَج, إنك تُكسِب المعدوم, وتَصل الرَّحم, وتحمل الكلَّ, وتُقري الضيف, وتُعين على نوائب الحق, فارجع فاعبد ربك ببلدك.
[الكلَّ: الضعيف, تُقري: تُكرم, نوائب الحق: تُعين على المصائب التي هي حق]
فارتحل ابن الدغنة, ورجع مع أبي بكر, فطاف ابن الدِّغِنة في كفار قريش.
فقال: إن أبا بكر لا يَخرج مثله, ولا يُخرج, أتُخرجون رجلاً يُكسِب المعدوم, ويحمل الكلَّ, ويُقري الضيف, ويُعين على نوائب الحق.
فأنفذت قريش جوار ابن الدِّغنة, وأمَّنوا أبا بكر, وقالوا لابن الدِّغنة: مُر أبا بكر فليعبد ربه في داره, وليُصلِّ ما شاء, وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا, ولا يشتغلن بالصلاة والقراءة في غير داره, ففعل.
[فأنفذت: أقرَّت]
ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجداً في فناء داره, فكان يُصلِّي فيه, ويقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه وينظرون إليه.
وكان أبو بكر رجلاً بَكَّاءً لا يملك دموعه حين يقرأ القرآن, فأفزع ذلك كفَّار قريش, فأرسلوا إلى ابن الدِّغِنة فقدم عليهم.
فقالوا: إنَّا أجرنا لك أبا بكر على أن يعبد الله في داره, وإنه جاوز ذلك وابتنى مسجداً بفناء داره, وأعلن الصلاة, وإنا خشينا أن يُفتن نساؤُنا وأبناؤنا, فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد الله في داره فعل, وإن أبى إلا أن يُعلن ذلك فسلهُ أن يرد عليك ذمتك, فإنا قد كرهنا أن نخفرك, ولسنا مُقرين لأبي بكر بالاستعلان.
فأتى ابن الدِّغنة أبا بكر فقال: يا أبا بكر قد علمت الذي عقدت لك عليه, فإمَّا أن تقتصر على ذلك, وإمَّا أن ترد ذمتي فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أُخْفِرت في عقد رجل عقدت له.
قال أبو بكر: فإني أردُّ عليك جوارك, وأرضى بجوار الله.
[نخفرك: ننقض عهدك]